مصطفى مسلم

27

مباحث في إعجاز القرآن

فرعون « 1 » ، ولكن أهل الدراية بالسحر كانوا يميّزون بين السحر ، وبين ما هو خارج قوى السحرة ، بل من صنع اللّه ، لذا كانوا أول المؤمنين به . ج - وبعد عصر موسى عليه السلام انتشرت الفلسفة الأيونية وهي أساس الفلسفة اليونانية فيما بعد ، وكانت تقوم على الأخذ بالأسباب والمسبّبات وتولّد المعلول من العلة في انتظام قائم لا يتخلف ، فجاءت معجزات أنبياء بني إسرائيل في هذا العصر خارقة للأسباب والمسبّبات ، لتثبت أن الكون كله بإرادة مريد مختار ، لا يفعل إلا ما يريد ولا يصدر عنه بغير إرادته الثابتة شيء « 2 » . فمعجزات سليمان عليه السلام مثلا جاءت مناهضة لتلك النظرية التي تقول إن المخلوقات نشأت عن الموجد الأول نشوء العلة من المعلول ، فكانت حياة نبي اللّه سليمان في ملكه تجري على هدم هذا النظر ، فمن معجزاته : - تسخير الجن والطير له . - تعليمه منطق الطير والحيوان وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ . . . ( 20 ) [ النمل : 16 - 22 ] . - تسخير الريح له : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ [ سبأ : 12 ] . د - وفي عصر اليونان ازدهر الطب والفلسفة المبنية على الأسباب

--> ( 1 ) انظر : « المعجزة الكبرى » للشيخ محمد أبي زهرة ، ص 437 . ( 2 ) المرجع السابق الصفحة ذاتها .